الشيخ الطبرسي

225

تفسير جوامع الجامع

( أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ ) أي : كَراهَةَ أَن تَقُولَ نَفْسٌ ، وإنَّما نُكِّرَتْ لأنَّ المُرادَ بها بَعضُ الأنْفُسِ ، وهي نَفْسُ الكافرِ أو نَفْسٌ متميِّزةٌ من الأنْفُسِ . وقُرئ : " يَا حَسْرَتَايَ " ( 1 ) علَى الجَمْعِ بين العِوَضِ والمُعَوَّضِ عنه ، وَالْجَنْبُ : الجَانِبُ ، قَالُوا : فَرَّطْتُ في جَنْبِهِ وفي جَانِبِهِ أي : في حقِّهِ ، قَالَ : أَمَا تتَّقِينَ اللهَ فِي جَنْبِ وَامِق * لَهُ كَبِدٌ حَرَّى عَلَيْكِ تَقَطَّعُ ( 2 ) وهذا من بابِ الكنَايةِ ، لأنَّكَ إذا أَثْبَتَّ الأمْرَ في مكانِ الرَّجُلِ فَقَد أَثْبَتَّهُ فيهِ ، قَالُوا : لِمَكانِكَ فَعَلْتُ كَذَا ، أو : مِنْ جِهَتِكَ فَعَلْتُ ، أي : لأَجْلِكَ ، فالتَّقديرُ : فرَّطْتُ في ذاتِ اللهِ ، ولا بدّ من تَقدير مُضاف محذوف ، سَواءٌ قيلَ : " في جَنْبِ اللهِ " أو " في اللهِ " فإنَّ المعنى : فَرَّطْتُ في طاعةِ اللهِ وعبادةِ اللهِ ونَحوهما ، و " مَا " في ( مَا فَرَّطتُ ) مَصْدَريَّةٌ ، ( وإنْ كُنْتُ لَمِنَ الْسَّخِرِينَ ) " إنْ " مخفَّفةٌ من الثَّقيلةِ ، قالَ قَتادةُ : لَمْ يَكْفِهِ أَنْ ضَيَّعَ في طاعةِ اللهِ حتَّى سَخِرَ من أَهْلِها ( 3 ) والجُملةُ في مَوضِعِ الحالِ ، فكأنَّهُ قَالَ : فَرَّطْتُ وأَنَا سَاخِرٌ ، أي : فَرَّطْتُ في حالِ سُخْرِيَتي . ( أو تَقُولَ لَوْ أنَّ اللهَ هَدَنِى ) إنَّما يقُولُ هذا تحيُّراً في أَمْرِهِ وتَعَلُّلاً بما لا يُجْدي عليهِ ، كَمَا حَكَى اللهُ تعالى عنْهُم تعلُّلَهُم بإغواءِ الرُّؤساءِ والشَّياطينِ ، وقَولُهُ : ( بَلَى قَدْ جَآءَتْكَ ءَايَتِى ) رَدٌّ عليهِ من اللهِ عزَّ اسمُهُ ، والمعنى : بَلَى قَدْ هُدِيْتَ بالقُرآنِ فَكَذَّبْتَ بهِ واستَكْبَرْتَ عنْ قبولِهِ وكَفَرْتَ بِهِ ، وإنَّما صَحَّ وقُوعُ " بلى " جواباً عن غيرِ المنْفي لأنَّ معنى قَولِهِ : ( لَوْ أنَّ اللهَ هَدَنى ) ما هُدِيْتُ . ( كَذَبُواْ عَلَى الله ) وَصَفُوهُ بما لا يَجُوزُ عليهِ ، فأَضَافُوا إليه الوَلَدَ والشَّريكَ وقَالُوا : ( هَؤُلآءِ شُفَعَؤُنَا

--> ( 1 ) وهي قراءة أبي جعفر . راجع شواذ القرآن لابن خالويه : ص 131 . ( 2 ) لجميل بثينة . من قصيدة يستعطف بها صاحبته . راجع ديوان جميل : ص 52 . ( 3 ) حكاه عنه الزمخشري في الكشّاف : ج 4 ص 138 .